أنا والوحش الأخير
كُتِبَ بتاريخ:
الوسوم: محاولة
خلال محاولة سابقة ومنشور فائت، اعترفت بلا خجل بخوفي من العودة للبلاد وخشيتي من أن ألقى ما لا أقدر على مواجهته من صراع بين هوية ذاتية نحتها المنفى وبين هوية جمعية تفرضها البلاد وأن ينتهي بي الأمر كابن عم بعيد القرابة نسبيا حين “عصلج” وقرر الاعتصام أعلى الجبل محاولا النجاة من “المعميكي” (المصيبة)، ولم ينجو.
كان الخوف من بين الأشياء التي وضعتها في الحقائب بين الجوارب وآلة الحلاقة، كنت خائفا من ألا تعرف المدينة المؤنثة صرفيا ومجازيا ابنها المحسوب عليها بفعل البيولوجيا والتقادم. الخوف كان مركبا متعدد الأوجه؛ فالمنفي المبعد يخاف على ما يتذكره وما اعتاد عليه من التغير والانقلاب ويضمر الحزن على حساب ما سيكون. أما أنا، فلا ذكريات لي في حارات إدلب ولا أصدقاء طفولة وإصابات جسدية وندبات سببها “الحَرّ واللوص” في عبّاراتها وأزقتها. لم أمتلك رفاهية الحزن حال كانت إدلب غير ما سمعت أو الندم حال أنكرتني البلاد والعباد.
أما الوجه الثاني: فقد كنت خائفا من خيبة الأمل بأن تكون الزيتونات اللاتي سمعت عنهن القصص والحكايات مجرد نشاطٍ زراعيَّ وأشجارٍ لا أساطير يونانية قديمة كما كانت قصص الحجي يحيى تصورهن وتمثلهن لي، وأن تكون أم عمرو شخصية اختلقتها لأعزي نفسي وأشغلها عن الحقيقة لا كيانًا أحبه الحجي يحيى وأورثني إياه.
يطل الوحش في القصة إبان وصولي لمطار حلب إن صحت التسمية، وما أنقذني من الوحش ومن سائقي سيارات أجرة حلب إلا رأس أبو يوسف الأصلع إذ عكس ضوء الشمس وتوهج كمنارة، “شوبر” إليَّ بيده واتجهت نحوه ومشينا نحو سيارته بعد أن حلف بالطلاق أن يسحب هو حقيبتي. كان الوحش خواءً داكنا بلا ملامح جالسا في الكرسي الخلفي مسندًا ذراعيه على الكراسي الأمامية، يحدق فيًّ وأتجاهله عمدًا لئلا “أتكركب” واضطر أنا لشرح المعضلة لأبو يوسف الذي لن يفهم في أحسن الحالات أو أن يستمر بالكلام في أسوئها.
“هاي أرض خالك عدنان وجامع نانتك” صدع بها أبو يوسف وإصبعه الغليظ يشير غربًا، “وهاي أرض خالك وليد”، ومن بعدها توالت الأراض لأخوال وأعمام لا أعرف منهم إلا الاسم وصلة القرابة.
“هاي أراضيكم يا خاي”، قالها وكان قد عاد إلى نبرته الاعتيادية التي تشبه نبرة المرشد السياحي، تراجع خوفي إلى الكرسي الخلفي كطفل عاقبه أبوه. وأظن ما ردع خوفي الكامن في وعليّ إلا استخدام أبو يوسف لصيغة الجمع وعدم استثناءه لي من اعترافه الواضح.
أعرف طوبولوجيا إدلب مسبقا إذ حفظت خريطتها الدائرية قبيل وصولي إليها، سألت أبو يوسف إن كان بقدرتنا الذهاب إلى جامع الروضة ليبتسم من بلاهة سؤالي ويجيبني بأن “بيتكن هنيك خاي” وأشار بأننا بالفعل متجهون لبيتنا. يزداد خوفي بالضمور وتحل محله شجاعة ابن عمي الذي اعتصم بجبله واستحضر الجرأة على تحدي التنور وفورانه.
صلينا العصر في جامع الروضة، وهو جامع اعتيادي جدا لا يميزه إلا قدمه النسبي وكونه مركزا لتجمع شيوخ إدلب والشباب ذوو الحمية الدينية المرتفعة لأسباب معروفة. حدقت في سقفه وفي جدرانه، لربما أسند والدي ظهره صغيرًا إلى حائط من حيطانه يومًا ما، لربما قرأ إعرابا لآية أو بيت شعر هنا وأشكل عليه فهمه.
سلّم أبو يوسف على بضع من رجالات إدلب الذين يعرفهم هو وقدمني إليهم كابن الحجي يحيى “مدير المركز الثقافي بالزمانات”. لا أنكر انخلاع قلبي من خوفي أن ينكره الناس وألا يعرفوه وعاد خوفي للمثول أمامي بابتسامة المنتصرين، مد إلي رجل في آواخر الخمسين يده مصافحا وقربني إليه هامسًا: “أبوك كان يعطيني دفاتر من المركز الثقافي مشان المدرسة لأنو ما كان معنا”. أجبرت نفسي على الابتسام وقاومت ألا انفجر أمامه إذ كنت “واقفًا ع لقة (لمسة)”. المهم، تبين الأمر فيما بعد أن الخمسيني هذا صار محاميا وتزوج ابنة خالي وانجبا أولادًا كان من بينهم “يحيى” آخر.
في تلك اللحظة بالذات لم يعد لخوفي ولشجاعتي مبرران وجوديان، حتى في آخر مواجهة لي مع وحشٍ كنت أرهبه ومن الترجل عن الجودي والتعرف على أرض جديدة لا تعرفني لم أنتصر أنا، انتصر فيها الحجي يحيى من قبره نيابة عني، وعرفني هو من تحت التراب على ما فوقه عنوة. حتى في غيابه الأبدي، انتصر الحجي يحيى لنا نيابة عنا كلنا.
