بين الزيتون

كُتِبَ بتاريخ:

الوسوم: لأم عمرو

بعد التحية والسلام، فإني لا أرى بعد اليوم حاجة للرسائل وأنا قريب منك يا أم عمرو، ولا داع هناك للمواربة والمجاز والاستعارة وأنتِ أمامي.

في المرة الماضية التي زرتك فيها سريعا كنت قد سألتك إن كان كل ذاك من أجل هذا ولم تجيبيني، تركتني يا أم عمرو لأعرف النتيجة بنفسي وأقلع الشوك من يداي بيداي المتورمتين من ترتيب الأغراض وما جمعته خلال حياتي كلها في صناديق كرتونية. كان السؤال مترددا لا يتوقف، لحوحا ثقيل دم كضيف غير متوقع آخر الليل.

كعادة التساؤلات - والخوازيق - فهن لا يأتين فرادى أبدًا، بقاء السؤال الأصلي بلا جواب أفضى إلى تكون سلسلة من الأسئلة المترابطة التي تطالبني بأجوبة هي أيضا. كيف سأودع الموتى؟ وما سأقول إن وقفت أمام القبر وكيف سأعتذر أمامهم عما فعلت؟ أترينهم يرون ما لا أرى يا أم عمرو ويدركون أن منفاي ينتهي بتركهم هم منفيين وحيدين؟ أيسامحونني؟

مات جدي ولم يجد أبي قبرا ليبكي عليه وها أنا ذا أمام قبر أبي أعالج نفسي وقصباتي الهوائية المتشنجة وأمنعهن من البكاء، أنت حولي ككل مرة تحاولين إقناعي بأنه راض عن قراري بالعودة لإدلب أخيرا وأصل ما انقطع وأبكي قبر جدي نيابة عنه.

لم أودع أحدًا، خرجت كالحاكم بأمر الله الفاطمي من القاهرة في ليلة ما واختفيت، “طج” موظف الهجرة وسمه على جوازي معلنا خروجي وانتهى الأمر بي سامعا رجلا من حلب يقف أمام بوابة الواصلين يسألني إن كنت أحتاج لسيارة أجرة.

لم أنم لثلاثة أيام متواصلة، كان الأدرينالين في دمي يكفي عائلة اسكندنافية مدة شهرين لا أتذكر خلالها الكثير مما حدث من لقاء لأقارب وأبعاد والكثير من الأسئلة الفضولية لكنني أتذكرك جيدا يا أم عمرو. رأيتك في الطريق إلى إدلب، تقفزين بين سلاسل شجرات الزيتون كأنك تعرفينهن واحدة واحدة وتنتقين منهن من كن أسمحهن عشرة وأطيبهن قلبا مثلك وتظل أعيني معلقة عليهن بسببك.

ذهبت إلى أكبر أراض الحجي يحيى مساحة وأكثرهن شجرا، يظهرن صغيرات على بعد ويكبرن في قلبي كلما اقتربت، جلست وحدي تحت شجرة ذات جذعين أعلم علم اليقين أن جدي غرسها صغيرة وأنها اعتادت ملمس يد أبي مربتا عليها وهي تكبر واليوم أجلس مسندا ظهري إليها أكتب ما تقرأين.

لا أعلم تماما سر الهوس المقارب للمرض عند الأدالبة حول الزيتون وشجره، لا يمتلك الفلاح الأدلبي من المجاز ما يعبر به عن حبه لشجراته ولكنني سمعت نبرة أبي ذاتها حول الزيتون من صاحب أرض مجاورة جاء يسألني عما أفعل، كان كهلا صاحب شارب اصفر من دخان السجائر ولكنه كان يتكلم بحيوية شاب في العشرين “يتفشخر” أمام أصدقائه في الجامعة بحصوله على رقم الفتاة التي أعجبته ويشير إلى شجرات أرضه وكيف أنهن أجود ما في إدلب من زيتون، كان يتكلم بسرعة كأنما كان يتنظرني بالاسم والساعة ليخبرني عن شجراته ويخشى ذهابي قبل أن يخبرني كل شيء.

وكان من بين حديثه أن الشجرات يحتجن إلى “بوطرة”، ولا أعرف إن كان المصطلح شائعا بين مزارعي الزيتون في بلادنا أو اختصت به إدلب وحدها ولكنني أحببته أيما محبة، فالبيطرة عادة لفظ لمداواة كل ما دب وهب وعوى وزمجر وكل ذي روح غير بني البشر، أما استخدامه للزيتون والعناية بشجراته ففيه خلع صفة الروح عليهن، فيكون لهن القدرة على الرضى والغضب والكره والمحبة والاشتياق والنسيان.

أصر الرجل أن يحتفظ برقم هاتفي عنده، وكان يرجع للحديث كلما أحس أنني قد استأذنه وأذهب. حدثني عن قدرة شجر الزيتون في إدلب على التحمل بلا تذمر، والعفو بلا منة والعطاء بلا شرط، ابتسمت وتذكرت أمي إذ كانت مثلهن يا أم عمرو. لربما كان أبي يرى في شجرات زيتونه امتدادا لأمي وأحبهن هو علنا كما أحب أمي خفية.

أما عن إدلب كمدينة، فلا أخفيك سرا أنني أحببتها بكل ما كسر فيها من بشر وحجر، بكل فوضاها وكل “تحشوكي” (شتيمة) أطلقتها أنا على صاحب دراجة نارية عالية الصوت، أتعلم المدينة كطفل، أسماء الميادين والساحات، زرت أماكن سمعت عنها من والداي خلال جدالاتهم. كلها لي يا أم عمرو، مدينة كاملة بكل بناء مهدم ولهجة إدلبية ثقيلة تميل بالكلام وقبر جدي الذي بكيت عني وعن أبي أمامه، كلها لي.