كثيب فرانك
كُتِبَ بتاريخ:
الوسوم: محاولة
يتضمن هذا المنشور ما قد يشي بأحداث مجموعة روايات Dune الست وما بُني عليها من أعمال سينمائية. كل ما بين علامتي التنصيص ورد في الروايات كما هو بدون ترجمة.
عن مولانا فرانك
جلس صاحب اللحية الكثة فرانك باتريك هيربيرت جونيور بعد عودته من مراقبة كثبان الرمال في ولاية أوريجون حيث كان يعمل كصحفي مختصٍ بالتوثيق البيئي مقابل مكتبه. استل قلمه وشرع في كتابة يتيمة دهره وفريدة زمانه ليقوم في سنة ألف وتسعمائة وخمسة وستين من على كرسيه الخشبي ويقدم روايته الأولى لدار نشر مغمورة علَّ وعسى أن تفتح له طاقة القدر ويكسب من إيرادات مبيعاتها ما يغني زوجته عن العمل، ولم يكن.
ألزم فرانك روايته قدرا من الغرابة والخروج عن كل ما هو مألوف عن روايات الخيال العلمي وقتها. اعتمد فيها على مرجعيات ثقافية لم يألفها قراء ذلك الجيل ولم يقدروا على “بلعها” أول الأمر، لم يكن الحدث الروائي فيها كما هو معتاد وإنما كان سردا لما يدور في خلد شخصياته من حوارات ذاتية. كانت رواية مولانا فرانك تأصيلا لتاريخ وتحقيقا في سير أعلام النبلاء أكثر منه قصة ورواية.
أما عني، فكان أول ما قرأته من أعمال مولانا فرانك في أيام الصبا والشباب، وكنت قد انتهيت من الكتاب الأول حين كان الصحاف، وزير إعلام نظام البعث العراقي السابق، يصف الأمريكيين بالعلوج بينما كانوا هم يغسلون دبابات الأبرامز بماء دجلة. كان سقوط بغداد الحدث الملحمي في حياتي وأول خوف وجودي حقيقي، هاهم المغول أتوك يجرون الحديد مجددًا والظاهر بيبيرس مستتر.
بعد سقوط بغداد، أكملت الروايات على مهل. وعلى مدى عقدين كنت أجد نفسي عائدا وراغبا في قراءة أجزاء منها أو لتقليب اقتباس أو لاكتشاف أصلٍ جديدٍ لكلمة ما إلى أن قررت هوليوود بكل ثقلها أن تنتج عملين سينمائيين بديعين أعادا إليَّ همتي في قراءة الروايات كاملة مجددا.
البيئة كطرف في القصة
يعمد مولانا فرانك في كل رواياته على جعل البيئة عاملًا أساسيا في تشكيل السياق لا وعاءً له، المحرك الأول والأزلي للبشرية في كل تاريخها وتاريخ كل طرف مشارك في أحداث هذه الروايات. ووافق فرانك شيخه ابن خلدون وتأثر به في مقدمته ومقارنته “شجاعة البدو” بـ"دعة أهل المدن". وعلى ما يبدو، فإن العربية توافقهما أيضا؛ فالطبع ما يكون في الفرد أصلا وسليقة وغريزة وفي الجماعة صفة وسمة يعرفون بها والطبيعة اسم استحدث لوصف البيئة وما تشكل بذاته من الأرض.
كان مما يروي ابن هيربيرت هذا أن البشر استوطنوا المجرة واستطاعوا طي المكان والزمان وانتشروا، وكان من بين ما استوطنوه كوكب صحرواي قاس لا ماء فيه يدعى «أرراكس1» يسكنه قوم أصحاب تركبية قبلية، كل فرد فيها وحدة مقاتلة تنظر للصحراء بخوف وإجلال كأم قاسية يدعوهم الكاتب بالـ«فريمين» واستعان في خلق الصورة النمطية عنهم بالثقافة البدوية العربية والأمازيغية وأسهب في الاستعارة من الإيحاءات الإسلامية في وصف عقيدتهم.
فكل قبيلة من الفريمين تسكن في «سيتش2» وهي في الأغلب مغارة تجمع بين كونها مأوى ومدرسة ومجلس سياسة ومقبرة ويرأسهم «نائب» يتولى الرئاسة بعد هزيمته لنائب سابق في مبارزة طقسية تنتهي بموت الضعيف منهما، ويقرون فيما بينهم ككل أن البقاء والوجود هو الهدف الأسمى وما دون ذلك رفاهية وأن أي خروج عن القبيلة وعن أي تعاليم وردت في «كتاب العبر3» هو محاولة للفردانية وتهديد مباشر لوحدة القبيلة يوجب عقوبة الموت.

شي خلود. العمل لـ Brian Taylor
صحاري «أرراكس» لم تكن جرداء تماما، فعلى الكوكب هذا تعيش ديدان الرمال والتي يقدسها الفريمين حد الألوهية ويقيمون الصلوات ويرسلون الدعوات والأمنيات لـ«شي خلود»، وهي كائنات مهولة الحجم تقتات على الفتات العضوي الموجود في الرمال وتفرز مادة تشحذ العقل وتتيح له الاستبصار عبر الزمن مستقبلا يسميها المؤلف بالـ«سبايس ميلانج» أو كما نقلها المترجمون للعربية: “المِزاج”.
اعتبرت البشرية ككل “المزاج” هذا مادة أساسية للسفر عبر الفضاء، فهو يتيح لملاحي المركبات الفضائية أن يستبصروا المستقبل ويروا طريقهم عند طيهم للمكان ويمنع كارثة الخروج في قلب نجم متهالك أو في قبضة ثقب أسود. وعليه، وجد الفريمين أنفسهم مطاردين في كوكبهم من قبل كل كيان إمبراطوري توالى على المجرة، وحكم كوكبهم غرباء استغلوا موارده ودنسوا كل ما هو مقدس واستباحوا - كعادة كل محتل - كل حرم.
يخلق مولانا فرانك صورة نمطية معينة أول الأمر عن الـ«فريمين» ويضع القارئ بينهم كواحد منهم، فتكون أنت فردا من جماعة إنسانية ترى في كل شيء تهديدا بالفناء الحتمي؛ الكوكب بكل عناصره البيئية يتآمر على وجودك، حتى الخالق الذي تعود إليه مياهك عند موتك لن يتمهل أو يتردد في ابتلاعك، هؤلاء الأغراب المعتدون يرون في جثتك فرصة لتحسين معدلات استخراج “المزاج” من أرضك وأرض أسلافك، ذات “المزاج” الذي يصبغ عينيك وعيني رفاقك بالأزرق المتوهج ويمنحك «عيون العباد».
أنت في حكم الموتى، والقبيلة وطقوسها وحكمة أجدادك هي وحدها ما يمنحك فرصة النجاة والبقاء والمقاومة.
إن كيدكن عظيم
بعد أن انتصرت البشرية في حربها ضد كل آلة مفكرة واتفاقها التام على تحريم صناعة كل ما يضارع العقل في إدراكه، ظهرت على كوكب «والاك ٩» جماعة باطنية غنوصية تعرف بالـ«بيني جيزيرت4» تتكون بشكل تام وحصري من النساء اللواتي ينتقين صغارا من إناث البيوت النبيلة بهدف تدريبهن ذهنيا وبدنيا لغايات سياسية. وهدف الجماعة الأخير هو التلاعب بالأنساب وتزويج تلك من هذا وهذه من ذاك حتى مجيء من يقدر على رؤية المستقبل بذاته - «الكويزاتس هاديراخ5» - لا بفعل “مزاج” تتحكم به الأمبراطوريات وشركات الاستخراج.
خلال الروايات، لا يوجد ما يوحي للقارئ بأن هذه الجماعة تنوي الاستفراد بالقوة أو السيطرة تحت مسمى الدولة كما نعرفها، لا محاولات لانقلابات عسكرية على كيانات سياسية حاكمة، أو للهيمنة الاقتصادية على شركات معينة ومواردها. ما يتنبه إليه القارئ بعد بضع فصول من الكتاب الأول هو عمل هذه الجماعة في نطاق ما تحت الدولة وسلاحها الأقوى والأفتك هو وضع الشخص المناسب في المكان المناسب حتى يحين الوقت المناسب.
تحت ألوية هذه الجماعة يبرز فصيل اختص بالعمل التبشيري وسماه الكاتب بالـ«ميشوناريا پروتيكتيڤا»، ولا يخفى على القارئ النجيب التلميح الواضح من خلال الاسم اللاتيني بالأصول الفكرية والدينية لفصيل كهذا وتأثر مولانا فرانك بأمه الكاثوليكية المحافظة وخالاته الكاثوليكيات العشر اللواتي شاركن بشكل مباشر في تربيته. انحصر عمل هذا الفصيل النسوي بما يمكن تعريفه بالهندسة الاجتماعية والنشر المتقن للأسطورة والخرافة تحت إمرة الـ«بيني جيزيرت» بشكل تام.
الهندسة الاجتماعية في مفهومنا المعاصر غالبا ما ترتكز على نشر سردية كالعدوى يدفعها خوف وجودي مختلق؛ “اللاجئون والمهاجرون سوف يسلبون عملك منك أيها المواطن الأصيل المخلص للوطن”، “أصحاب الدين الفلاني أو العرقية العلانية سيئون دومًا والجيد منهم استثناء ينتظر الفرصة المناسبة ليحن الدم إلى أصله”، وصعود ذكر الأورانجوتان البرتقالي إلى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية كأمثلة.
أما على «أرراكس» وأهله المهددون بالفناء بفعل كل متغير وثابت في محيطهم الجمعي، ارتأت الـ«بيني جيزيرت» أن لا جدوى من زراعة الخوف ونشره بين من يراه دافعًا للبقاء لأن “لم يسخط ربك أكثر من القرد”، وأيقنت بأن الخائف دوما يحلم بالتوازي مع خوفه بالخلاص الشامل والمشتمل على فناء عدوه ونهاية كل اعتبار يهدد القبيلة. الخائف يحلم دائمًا بالجنة.
“لا مصير هناك أقسى من أن يقع قومك بين يدي بطل”
- باردو كاينز
لم يحتج الذراع التبشيري للـ«بيني جيزيرت» إلى أكثر من خرافة أو قل: إلى زرع فيروس في إدراك الجماعة وتركه كمرض خفي لا ينتقل كما البروباجاندا ولا يتطلب يافطات أو مسيرات تمجد المخلص القادم وإنما الإيمان - ولو إيمان فرد واحد - والزمن كفيل بأن يحول الإيمان إلى عادة والعادة إلى طبع، والطبع في آخر الأمر يرسم المخيلة الجمعية.
تقول النبوءة أن شابا وأمه سيأتيان إلى «أرراكس» يومًا ما، ويتعلم هذا الشاب طرق الـ«فريمين» كما لو كان منهم، يأكل طعامهم، ويتكلم كلامهم، ويقاتل معهم أعدائهم، سيأتي ويقودهم إلى الجنة.
إن بساطة هذه النبوءة كان سبب نجاحها وانتشارها بين الـ«فريمين». كل موازين القوى لم تكن مطلقا في صفهم، فلا طاقة لهم بجالوت بالرغم من مقاومتهم له ولا بيوت نبيلة بينهم قادرة على التفاوض مع الإمبراطور حول استخدام موارد أرضهم، لم يمتلك الـ«فريمين» ما يجعلهم ككيان ندا لغيرهم سواء كان بردع السلاح النوعي أو الثقل السياسي. ظلوا لقرون على هوامش التاريخ.
لم يكن إيمان الـ«فريمين» نابعًا من تخاذل أو ضعف يعترفون به واستسلام يقدمونه، اعتناق الجماعات المستضعفة لفكرة المخلص هو المآل الطبيعي لكل مضطهد ورد فعل غريزي لكل جماعة عاجزة. ولكنني أقول أن في فكرة المخلص أكثر من ذلك؛ فالمخلص هو ما تعكسه الجماعة عن نفسها وتحاول به ردم شرخ ما بعد الهزيمة، “نعم، نحن مهزومون اليوم, ولكن المخلص قادم لا محالة، سننتصر وكلنا يقين أن المخلص والمؤيد بالنبوءة سيعيد لنا - ولنا وحدنا نحن شيعة المخلص - المجد الذي نستحقه”.
ما قبل المهدي
إن في المقارنات التي يطرحها مولانا فرانك تذكير دائم بقدرة البيئة على دفع التجمعات الإنسانية ونحت غريزتها نحو البقاء في البدائية ومقاومة الفناء والانقراض أو بناء مجتمع إنساني قادر بعد بضع سنين على إنتاج السياسة وشن الحروب والتحول في آخر المطاف إلى حضارة ما. يذكرنا بأن أساس كل حضارة هو نجاحها في القضاء على كل ما دونها وأن التاريخ البشري المسجل كله هو ببساطة سلسلة من عجز حضارات متكافئة في القوة عن ذلك.
إن فشل الكتاب الأول في تحقيق الانتشار الذي تمناه له كاتبه عند صدوره كان له أسبابه، فمنها كون الكتاب قد نُشر في فترة زمنية وضعت روايات الخيال العلمي في إطار وقالب معينين يتطلبان وجود عناصر خيال علمي حقيقية في النص؛ مركبات فضاء، مخلوقات فضائية، أسلحة بلازما ودماء خضراء. لم يكن السواد الأعظم من القراء في ذلك الوقت مستعدا لقراءة نص أقرب للسياسة والاقتصاد منه للحكاية.
أما عن السياسة، فالكتاب الأول كله مختصر في صراع حول السلطة السياسية وطرق تحصيلها. لم يترك الكاتب للقارئ أي مجال لتأويل أطراف القصة بمنظور الأخلاقيات مطلقًا وإنما بموازين المصلحة النفعية والسياسة ومشروعية أي عمل يؤدي إليهما على عكس ما أخرجته هوليوود مؤخرا. لم يكن الصراع في كثيب فرانك صراعا بين حق وباطل، لم يكن عن جهاد المضطهدين الجميلين الذين ينتصرون على الشرير البشع ابن العو في آخر الأمر، أو وصف العذاب الحالي والهوان المتقن وما يخلفه من عدل قادم ونعيم مؤجل.
خلال الكتاب الأول، تتعرف يا سيدي القارئ على أطراف الصراع عن قرب. فكل المجرة يحكمها الأمبراطور المفدى شدّام الرابع من آل «كورينو» وبجانبه ابنته الأميرة «إرولان». يمتلك شدام الرابع أغلبية الأصوات في الشركة المحتكرة للتجارة في المجرة والتي اقتبس الكاتب تركيبتها ومفهومها الاقتصادي من شركة الهند الشرقية الهولندية، وكتحصيل حاصل يمتلك الإمبراطور القوة الاقتصادية والثراء الكافي لـ"نغنغة" عائلة نبيلة وإفقار أخرى.
لم يغب عن ذهن الإمبراطور حكمة أسلافه من منظري السياسة و"فنون الحرب" ووعى أهمية الاقتصاد في تثبيت الحاكم على كرسيه ولكنه أيضا يدرك تماما أنه ليس بالمال وحده تدوم الإمبراطوريات وإنما، قطعا، بالعسكر المخلصين للإمبراطور لا للكيان الذي يمثله. إن الحاكم بلا سيف في يده لا يستحق الحكم و وإن حكم، فهو غير قادر على الاحتفاظ به مهما بلغت ثروته وقدرته الاقتصادية.
وسيف الإمبراطور كان كوكبا قد دمرته الأسلحة النووية خلال جهاد البشرية ضد كل آلة مفكرة وروبوت ساوم البشر قدرتهم على التفكير والإدراك، استحوذ أسلاف شدام الرابع على «سالوسا سيكاندس» وحولوه بفعل خططهم في التنمية البشرية إلى سجن ومعسكر تدريب عسكري يعتمد على التنقية الداروينية البحتة في اختيار القوي الذي نجى من الكوكب وكل خوازيقه البيئية ليصير جندي «ساردوكار» في الجيش الإمبراطوري أو انتزاع قلب الضعيف والمسح بدمه على جباه العسكر كتعويذة للحماية.
ومقابل سيف الإمبراطور وثراءه، تقف البيوت النبيلة في المجرة كلها أمام وحش جشع تعلم أنها لا يمكنها إرضاؤه بالكلمة الحلوة وأكل الحلاوة بالعقل، فما كان من البيوت النبيلة إلا أن أعادت انتاج البديهيات كقناعة شيخنا عنترة وصاروا من ذوي الجهالة إذ لاقوا جاهلا وأسسوا مجلسهم واسموه بالـ«لانسراد». ففي اتفاق واتحاد المجلس هذا ما يسمح للإمبراطور بأي عمل اقتصادي أو عسكري طالما لم يضر بسطوة البيوت النبيلة على كواكبها وفي ذات الوقت ما يمنح الإمبراطور القدرة على منع أي توحد فعلي للقوة العسكرية والاقتصادية لتلك البيوت النبيلة واجتثاث أي بوادر تمرد أو - معاذ الله - أي مقدرة على الثورة.
إن اجتماع البيوت النبيلة في الـ«لانسراد» لم يكن من باب حسن التدبير والدراية، وإنما الخوف من الفناء المتبادل والاطمئنان لميثاق يضمن للارستقراطي الحكم اللامركزي تحت مظلة الإمبراطور المطمئن بدوره أن الاتفاق بين ألف بيت نبيل بدافع الخوف منه ومن بعضهم البعض أنفع وأدوم لحكمه من إيمانهم بقوتهم مجتمعين.
أما عن الاقتصاد واعتباراته الاجتماعية فإن الكتاب الأول هو محاولة الكاتب في تأصيل المادية التاريخية وأن “كل مخرجات الإنسانية هي تبعات نشاطها الاقتصادي”. ففي كثيب فرانك، يكون «أرراكس» بؤرة لصراعين أولهما على المادة، فعلى ومن «أرراكس» فقط يُستخرج “المزاج” اللازم للسفر عبر الفضاء في مقاربة واضحة بالنفط في بلادنا وما أدى إليه من احتلالات ناعمة وخشنة و"بين نارين" من أجله. والصراع الثاني - وهو الأهم في نظري - هو صراع طبقي على «أرراكس»، فمن يحكم الكوكب بأمر مباشر من الإمبراطور لا يعيش بين أهله ولا يختلط بالـ«فريمين» وإنما هو محاط بالبرجوازيين وممن يديرون عمليات استخراج وشحن وبيع “المزاج” وكامل الطقم الرأسمالي الذي يقيم المآدب ويسقي النخيل خارج القصر بماء يكفي مائة نفس كل يوم.
إن جماعة كالـ«الفريمين» تقع خارج النطاق المادي للإمبراطورية ككل وخارج كل قوانين الاقتصاد المعمول بها، إذ أنها لا تقيم وزنا لقيمة “المزاج” بالمفهوم الرأسمالي المعتاد فهو حولهم و"برخص التراب" حرفيا. لم يكن هذا قرارا صادرا من أيديولوجيا أو من ديانة تحرم المال أو تدعو للزهد وإنما حكم البيئة فيهم، إن الماء هو رأس مال كل فرد من الـ«فريمين»، وعلى عكس المال أو العملة فلا يمكن بأي شكل من الأشكال أن تكنز الماء لنفسك دون أن يعطش سواك، وتخزينك للماء مدعاة للاطمئنان الذي يسلبك الحذر واليقظة اللازمين للبقاء.
في مفهوم الـ«فريمين»، لا يتعبر الحصول على كمية كبيرة من الماء ثراءً بل جريمة بحق القبيلة، هذا الماء يملكه الأحياء ويتداولونه فيما بينهم وماء الميت وكل ما كان يملكه يعود للقبيلة. ألغى «الفريمين» مفهوم الإرث المادي من فكرهم الجمعي وعليه؛ لا وجود لفكرة الثراء ولا وجود لطبقة اجتماعية تقوم عليه.
إن تعريف رأس المال عند الفريميني الجيد ينعتق من كونه “شيئا” ويتحول لمفهوم اجتماعي يضمن توزيع الموارد بشكل عادل والحق في النجاة بشكل متساو، لم يكن هدفهم استغلال المادة وإنما تحويل علاقتهم بها من الدعوة لتراكمها الفردي إلى الوصاية الجمعية التي تكون فيها الجماعة هي رادع الجشع الأقوى وعلى الفريميني السيء أن يواجه القبيلة كلها حال طمعه.
الأسد والثعلب
“الحكم يتم بالإقناع لا بالإجبار يا پول”
- الأم العليا غايوس هيلين موهايم
يجلس الدوق «ليتو أتريديس»، سليل الملك اليوناني القديم “أجاميمنون” على كرسي دوقية كوكب «كالادان» محاطا بخليلته «السيدة جيسيكا» من سيدات الـ«بيني جيزيريت» التي لم يتزوجها ليترك مجالا لاحتمال مصاهرة بيت نبيل آخر وتكوين حلف سياسي قد يعود بالفائدة مستقبلا، وابنهما الوحيد «پول». يعمد مولانا فرانك في كتابه الأول على إسباغ صفات “أولاد العز” على آل «أتريديس» الكرام، فهم ممشوقو القوام عريضو الأكتاف وأصحاب كرم ونخوة وأهل حوكمة ودولة منذ أول حكمهم لكوكبهم ذي المناخ الاستوائي الممطر الذي يصفه الكاتب بالفردوس كأحسن ما يكون.

الدوق ليتو أتريديس الأول - من فيلم Dune لمخرجه ديڤيد لينش - من عام 1985
وكنتيجة حتمية لسياسات حكم قائمة على الاستثمار في ولاء الأفراد فإن أفئدة الناس هوت إليهم، فوزير حربيتهم «جيرني هاليك» خير من توشح سيفا وأدّرع درعا، و«دنكان أيداهو» أبرع مقاتل في المجرة كلها اللذان يدربان الجيش ذا الراية الخضراء والعقاب الذهبي الذي اقترب قتاليا وتنظيميا من جيش الـ«ساردوكار» الإمبراطوري. وكلا المحروسين يسلمان الولاء الأعمى الممتزج بالتقاليد العسكرية للدوق والاقتناع المطلق بحكمته و"الرقبة السدادة" لآل «أتريديس».
كان الدوق «ليتو» شخصية غامضة قليلة الكلام، يمتلك من الحزم ما يكفي لئلا يظهر ما بداخله من غضب أو تعب وذا انضباط وحنكة عسكرية تليق بنسبه الارستقراطي المتوارث. كان «ليتو» المثل الأعلى والأسد القادر على إخافة الذئاب كما في التشبيه الميكاڤيللي الشهير، من يخلص أتباعه الولاء له ولشخصه طوعا لا كرها مدفوعين بخشيتهم من تخييب ظن الدوق فيهم لا الخوف منه. وبناءً على كل ما سبق؛ علا نجم الدوق في أروقة الـ«لانسراد» ونجح في استمالة البيوت النبيلة الصغيرة وكسب أصواتها، بدأت شخصية «ليتو» الجذابة وتاريخ عائلته السحيق وعسكره المدرب بعقيدة قتالية أصلها الولاء والطاعة لا الخوف والإكراه بأن تصبح مصدر إزعاج يؤرق الإمبراطور الغيور.

البارون «ڤلاديمير هاركونين» طافيا - من فيلم Dune لمخرجه دينيس ڤيلينوڤ
إن كان «ليتو» ممشوق القوام وسيم الهيئة فإن البارون «ڤلاديمير هاركونين» من آل «هاركونين» غير الكرام أبدًا عكسه تماما، فالبارون صاحب وجه قبيح الخلقة شنيع المعشر، بدين الجسد حد احتياجه لمعاكسات جاذبية تطفو به وبكتلته في الهواء. يحكم البارون كوكبه «جيدي برايم» الذي دمرته الصناعة غير المقننة والخالي من أي بيئة نباتية إذ لا يصل سطحه ضوء الشمس السوداء. والشهادة لله فإن هوليوود أجادت مؤخرا في نقل الصورة البيئية الميتة والمعمارية القاسية في «جيدي برايم» واستخدام الأشعة ما تحت الحمراء في تصويره.
لا يملك البارون من مؤهلات الحكم ما امتلكه ويمتلكه الدوق «ليتو»، فنسب الأول وضيع وارتفع بعوامل تجارية واقتصادية، ونسب الثاني رفيع أصيل. في الثنائية التي يطرحها مولانا فرانك إسقاط مباشر على مفهوم “حديث النعمة” و"العين الشبعانة"، وتنعكس الثنائية في أخلاقياتهما: فالدوق يرى أتباعه كاستثمار لا يضن عليهم بالمكرمة إن أظهروا تفانيهم في واجباتهم، والبارون يرى الكل وسيلة وموردا يمكن استغلاله لاشباع رغبة وتحقيق مأرب. يحكم البارون بالخوف منه ويحكم الدوق بالولاء له.
لا يخجل الكاتب من وصف الـ«هاركونين» بالوحشية ولا يدخر لفظا ولا معنى عندما يخلع صفات التوحش والافتراس والتلاعب على البارون، هو الثعلب في تشبيه ميكاڤيللي الشهير. الحاكم بالخدعة والخوف لا بالقوة المبهرة والتنظيم الاستراتيجي، المستمد شرعيته من الخوف في عيون ضحاياه الذين عادة ما يموتون علنا أمام أقرانهم. كانت “الحقيقة بلا تردد” أكثر ما يرعب البارون، أن يرى في أتباعه القدرة على البوح بالحقيقة بعين “جقرة” (وقحة) دون الارتعاد أمامه خوفا.
أما عني، كانت المقارنات بين كلا العائلتين مجرد تضاد جذري يصاغ منه صراع سياسي نافع كمادة أدبية وتمهيد جيد لما يأتي بعد الكتاب الأول من أحداث وأهوال أول الأمر، لكن مع تقدم العمر وإعادة قراءة الكتاب الأول ملتفحًا جبتي الحمراء فأنني أرى مولانا فرانك يعيد صياغة الفكرة الميكاڤيللية بطريقته ولا يقارن بين ثعلب وأسد وطرق السياسة والاستحواذ على السلطة وإنما بين مفهومين طبقيين اجتماعيين: الارستقراطية والنبلاء المتمثلة في «ليتو» والبرجوازية والنخبة المتمثلة في البارون.
لا يتسلق الارستقراطي للحكم وإنما يولد فيه، السلطة ميراثه وإرثه لمن بعده وواجبه الموازنة بين مفاهيم كالشرف والنبل والنزاهة أمام السياسة وخوازيقها، فالارستقراطي الصغير محكوم بالتاريخ إن غدر أو بالمقصلة إن فشل. كان «ليتو» يعلم كل هذا، ويعلم في قرارته أن الارستقراطية كطبقة اجتماعية منظومة تدمر ذاتها بادئ الأمر وتزول تماما بفعل خارجي آخره. كان الدوق سليل عائلة تميزت بالصرامة التي لا تتيح مكانا للعاطفة متعاملةً مع السياسة كآلة هم التروس المتداخلة التي تعرف وظيفتها بشكل بديهي ولا تترك أي حيز لمتغير. كان يدرك كل هذا ويسألك أيها القارئ: أتكون الفضيلة فضيلة إن كانت سببا في هزيمتك؟
أما البارون فهو سليل عائلة وضيعة وصمت بالجبن والنذالة لتوليهم يوم الزحف في موقعة «كورين» ونُفي جدهم الكبير على يد أجداد الدوق إلى كوكبهم القميء حيث عملوا بتجارة الفرو التي لم تكن مربحة أغلب الوقت وإنما جمعوا ما يكفي من الثروة ما أدخلهم مجلس البيوت النبيلة «لانسراد» واستطاعوا بـ"ولدنة الحرام" تسلق هرم السياسة.
إن البرجوازي لا ينتقل من الوضاعة إلى النبل حال وصوله الحكم ولا يتعلم الشرف إن أؤتمن على رقاب العباد، فغاية البرجوازي زيادة ما يضمن ثراءه إما بالعمل بأصله الوضيع وحياكة الخطط ليتخلص من منافس ما، أو الدوس على تلك الرقاب ليرتقي. لا يزول حكم البرجوازي بالضعف المتوارث وإنما بوهم القوة و"ما أظن أن تبيد هذه أبدًا".
للحديث بقية…
أغلب النظريات ترجح أن الاسم مأخوذ من العربية: الراقص ↩︎
بمعنى “الملجأ” وهي كلمة من لغة قوقازية قديمة تدعى التشوكبسا استخدمها الكاتب كلغة الفريمين ↩︎
الكتاب المرجعي عند الفريمين، وفيه تاريخهم وطرق أسلافهم وعاداتهم. استعار المؤلف الاسم من “كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر” لابن خلدون. ↩︎
أصل الاسم مختلف فيه, وأغلب الظن أنه من شقين “بيني” تتطابق في المعنى مع العربية “بني” و"جزيريت" تحريف متعمد لكلمة “Jesuit” فرقة تبشيرية كاثوليكية وتترجم للعربية “اليسوعيين”. ↩︎
كلمة عبرانية لمفهوم مستوحى من الكابالاه اليهودية، يمكن ترجمته لـ"قفزة الطريق". ↩︎
