خالتي
كُتِبَ بتاريخ:
الوسوم: محاولة
أثناء مكالمة هاتفية مع خالتي المناضلة في إدلب، زلق لسانها واعترفت أنها تقوم بالبحث عن بنت الحلال لأجلي، هيك من غير إحمٍ ولا دستورٍ يحجّم سلطتها الاستقصائية عن بنت الحلال المستقبلية. وتبين لي أن هوايات أخوالي لا تقتصر على أكل الميراث فحسب، بل الخوزقة بالبروكسي. والشهادة لله خالتي لم تكن أول شخص حاول أن يكون الوكيل الوحيد والمعتمد من مؤسسة الزواج في إكمال نصف ديني، أصدقاء ومعارف وأقارب حاولوا وكلهم بلا استثناءٍ، ولله الحمد، فشلوا.
غيّرت السنة الغابرة، وخصوصًا آخرها، الكثير من الأشياء في رأسي، عبثت به كما كان يعبث صديق والدي من حفسرجة – وكان كهربائيّا يفهم دبيب الالكترونات وكأنه سليمان زمانه – بـ”تابلو” الكهرباء في بيتنا، يمدّ يده وينزل قاطعًا ويرفع آخرًا محولًا فيش كهرباء من 110 فولت ل 220 ولتذهب كل معايير السلامة إلى الجحيم، أن يعمل الخلاط في بيت الحجي يحيى أهم.
اعتدت أن أرفض أي محاولة لخوزقتي بالزواج مهما كان العرض مغريًا، ولكنني على غفلة انتبهت أن خالتي لم تسرد لائحة مميزات العروس كعادة من حاول قبلها، لم تذكر باسبورًا يتيح للمحروسة السفر ولا شهادةً تسمح لها بالردح الأكاديمي مع سرد المصادر، وصفتها ببنت الحلال ولم تزد. لا أظن أن خالتي كانت تتوقع مني معارضة شرسة، وبما أن الخالة بمقام الأم، أظنها أحست بالتغيير والبعبصة الجارية في دماغي ودماغ الكل واستغلت الفرصة، دعيت لها بطول العمر والصحة والسلامة ودوام الخوزقة وأنهيت المكالمة.
على مدى الشهرين الفائتين، تخليت عن أفكار كثيرة، وفتحت الباب – على يباسة رأسي – لأفكار أكثر، خسرت أصدقاءً وأعدت التواصل مع أصدقاء قدامى وكسبت أصدقاء جدد، تأكدت من أن قناعاتي – وإن أسعفتني معظم الوقت – لا تزال قناعاتٍ احتمال الخطأ فيها وارد وقبول ذلك يحتاج مني للنضج وأن أقبل البهدلة المؤدية إليه، فالنضج دوما مرتهن بالبهدلة وقلة الواجب.
اقترن الزواج عندي دائمًا بالاستمرارية والدوام، ولطالما كان أبذخ تعبير للدوام والأبدية هو ذاك المتجسد في الأرض، فالأرض التي شهدت مرور أسلافنا النطوفيين هي ذاتها التي رقصت عليها أمي يوم زفافها وهي ذاتها الأرض التي على سطحها تحيك خالتي بكل مكر الخالات خطتها، ربما لعلمها بتلك الحقيقة واتفاقنا أنا وهي ضمنيّا على تلك المجازية في فكرة الزواج.
لم أجادل خالتي ولم أرفض قطعًا كما العادة، وبنت الحلال التي تبحث عنها خالتي بكل تأكيد لن تعجبني ولكن أحببت الفكرة التي تناضل من أجلها؛ “هاك الأرض ودوامها وكل العلاك المصدي وفوقها بنت حلال، أشو قلت؟” وتذكرت في تلك اللحظة محمود درويش في رسالته لأبيه
وأبي قال مرة :
الذي ما له وطن
ماله في الثرى ضريح
.. ونهاني عن السفر !