ما بعد الزيتون
كُتِبَ بتاريخ:
الوسوم: لأم عمرو
خلال الحرب الأهلية التي نشبت بين أفراد عائلة أمي بعد وفاة الحجي عبد القادر وبعد ألف صولة من الكر والفر الموثقات برسائل مكتوبة بخط أيادٍ كثيرة ومذيلة بأسماءٍ أكثر، استقر لأمي من الورثة مكتب صغير و”شقفة” من أرض الحجي الكبيرة. وبحسب الرواية، إذ كنت أنا فكرة لم تتبلور بعد وأحماضًا نووية من غير ذيلٍ لا تجيد السباحة ولم أشهد الواقعة حاضرًا، لم تكشر أمي عن أنيابها ولم تكد المكائد، رضيت بالأمر لأنها ،واعتمادًا على وصف الرواة، “راضية مرضية واسم على مسمى”. في رسالة من خالي الأكبر، وعد أمي برعاية الأرض رعايته لأرضه، وبالمقابل طلب من أمي السماح لابنه الطبيب المتخرج حديثا أن “يستأجر” المكتب كعيادة، وبالطبع، أمي وافقت.
قرأت الرسائل كما قرأت مذكرات والدي بكل شغف في مراهقتي، وفي قراءتي أحاول وصل النقاط ببعضها وتفكيك الوقائع وبناء قصة متصلة لما حدث، وبعد ألف جبة حمراء، اختفت تلك الرغبة في وصل ما انقطع من تاريخي الذاتي واستعضت عنها بكِ يا أم عمرو. لا أعرفك وتعرفينني، أجهلك وتجهلين علي ولكن وجودك كان مؤكدا كلما قرأت الرسائل والمذكرات، لا فيهن ولكن في أنا. حمّلتك وزر القطع وكنتِ أنتِ همزة وصل تسقط إن اتصلت.
في قطعة الأرض التي نالتها أمي، قرر المرحوم خالي أن يزرعها شجرات مشمش. في الحالات النادرة التي تواصل فيها خالي مع أمي كان يطمئنها على “المشمشات” وأنهن بخير وهناء ويؤكد لها بأنهن يحملن كل موسم، وريعهن في الحفظ والصون طبعًا. يتكرر المشهد مع أبي، إلا أن تعلق أبي بزيتوناته كان هوسًا ولم تكن صفته الرضى والقناعة فيما يخصهن، كان يتحمل حمل “المخابرة” الدولية ويرفع صوته ليسمعه من على الطرف الآخر من الخط بشكل أوضح ليسأل هو عن الزيتونات إن كن بخير، وعددهن إن ما زال ثابتًا، عمن يعمل الأرض وسيرته، ومهما كان الجواب؛ يلعن السبب بعد انتهاء المكالمة في كل مرة…
كنتِ أنتي يا أم عمرو القاسم المشترك بين الرغبة اللحظية لخالي بتذكره المشمش وهوس أبي بالزيتون. تلك الغريزة البشرية الراغبة بالانتماء لشيء ثابت غير متأثر بالأيديولوجيا، كنتِ أنت تجسيدها في صورة بشرية ذات ملامح حادة، عينان واسعتان تجحم النظر إلي وفي، كنت غير قادرة على الابتسام في مخيلتي، لا تبتسمين مطلقا لا لي ولا لألف رغيف ساخن، كنتِ يا أم عمرو صورة للرغبة في مخيلتي، الرغبة الماكرة والغريزية، الشعور البائس الذي يدفع الشاعر للشعر، والكاتب للكتابة.
التراب الأحمر في كل مكان على مد البصر، ابن خالتي “مشوبرا” بكلتا يديه محددا لي موقع الأراضي بأبعادها المربعة، كان ممتلئ الجسم وكرشه يسبقه، يتكلم بلهجته الثقيلة ويميل بها كعادتنا، وذا نبرة رأسمالية شارحًا لي حسابات الأرض ومصاريف الضامن والحواشة والتدابير اللوجيستية بثقة الخبير المجرب، إذ كان هو من تولى الإشراف على الأراض في عائلة أمي، لم أعارضه أو أقاطعه حتى انتهى. “كيف المشمشات؟” كان السؤال الذي خرج مني كاعتراف عاشق خجول، أردت أن أعرف حالهن واتأكد من صدق كلام خالي، أردت ألا ترينني خائب الأمل أمامكِ يا أم عمرو. لم يفهم ابن خالتي السؤال حتى ذكرته بحصة أمي بالأرض وأنني منافس جديد على الساحة، أكد لي بأنهن بخير، وأن “الحصة محفوظة” ولا داع هناك للقلق.
طلبت منه أن أرى شجرات زيتون الحجي بحكم أننا قريبون، استجاب وبعد بضع دقائق أوقف سيارته وأشار إلي بالنزول. كانت الأرض أمامي يا أم عمرو، وكنتِ أمامي. رائحة الأرض والهواء البارد الجاف يلفح وجهي، والشجرات حولي. أكل ذاك من أجل هذا؟ الزيتونات لسن بخير يا أبي، تيبسن وهزلن مثلك، هن كذلك قُطعن من بعد وصل، وأنا بينهن وحدي. “أنا هنا” كانت الفكرة الوحيدة في ذهني مترددة كالوسوسة، انتهى كل شيء ولم يعد هناك حاجة للمجاز والحنين الموارب والقصص. عدت إلى السيارة واختفت الأرض عن ناظري، أنا لا أزال هنا، أحببت تلك الزيتونات كما أحبها أبي وأبوه من قبله قبيل رؤيتهن، واليوم وبعد الزيتون، لا حاجة لي بكِ يا أم عمرو.
عندها، ابتسمت لي للمرة الأولى.