بوران
كُتِبَ بتاريخ:
الوسوم: محاولة
يتسرب إلينا الباتنجان اصطلاحًا من الفارسية القديمة «بادنگان» والتي بدورها أخذتها من اللفظ السنسكريتي »ڤاتِن-جانا» وفي قولٍ آخر «ڤاتي-جاجاما» والأخيرة هذه تعني حسب التعريف الشعبي “النبات الشافي من الضراط” (أنعم وأكرم واللهِ)، أمّا زراعيّا فالباتنجان ينحدر من عائلة نباتية كبيرة نسبيّا، وإن صحت التصنيفات الاجتماعية الاقتصادية البشرية على النبات، فبيت الباتنجاني ينتمي إلى الطبقة المتوسطة التي عادة ما يعرف أصحابها عن أنفسهم بأنهم «مستورون والحمد لله».
تشابهت رحلة الباتنجان في وصوله إلينا مع رحلة اسمه، جاء من الهند عابرًا بفارس و”طجّ” عندنا كنبات غريبٍ مرّ الطعم أول الأمر، إذ أنه مرّ على هيئة الغذاء والدواء المتمثلة بمولانا الرازي الذي كتب فيه أنه «يسبب البثور في الفم وسواد الدم» وتبعه بعدها ابن سينا وزاد في الطنبور نغمًا بوصفه مسببًا للسوداء (الاكتئاب). لا أنكر هنا فضائل الشيخين وإسهاماتهما في الطب ولكنهما نظرا للباتنجان بعين الفاحص الموثق ووضعا حب الإنسان لبطنه جانبًا وقدّما العلم عليه، كان الباتنجان يحاول أن يغرز شروشه في مطبخنا كلاجئ هرب من التعذيب ثم سيق للتحقيق أول وصوله أرض اللجوء قبل أن يتسنَّى لأحد أن يهنئه بالسلامة.
بالرغم من كل حملات التشويه التي طالته ظل الباتنجان مُرّا ووفيّا للأرض حتى اهتدت إليه البوران خديجة بنت الوزير الحسن بن سهل عروس الخليفة المأمون وقامت بنقع صاحبنا بماء الملح حتى زال مراره وبانت مفاتنه، البوران هذه رفعت إصبعها الأوسط لكل من الرازي وابن سينا سوية وروّضت اللاجئ الذي تمرمر زمانه وتقرحت أيامه حتى صار وليمة عرسها، وحتمًا كافأها الباتنجان بالمقابل بأن خلد اسمها إلى يوم الناس هذا.
بعد حملة الدعاية التي قامت بها البوران، انفتحت طاقة القدر لصاحبنا وأورده ابن سيّار الوراق في كتاب الطبيخ ولم ينس بكل تأكيد ذكر «باذنجان بوران» في وصفاته ثم تبعه من بعده ابن العديم الحلبي في كتابه “الوصلة إلى الحبيب في وصف الطيبات والطيب” وأدرج للباتنجان خمس عشرة وصفة كل منهن تنطح أختها.
ومغزل التاريخ يدور والباتنجان ثابت منتصبٌ حتى في نكسات زماننا، فأهل العراق كنّوه بـ«وحش الطاوة» (المقلاة) وقالوا فيه شعرًا أيام الحصار، والوحش هنا من باب المدح لا الذم حيث رأى أهل العراق وحشية غيرهم عليهم ومنعهم حليب الأطفال ومحاليل علاج الجفاف عنهم وبقاء الباتنجان وحشًا وحيدًا واقفًا مع العراقيين ومقلاياتهم.
سئلت مؤخرًا عن أقرب الطعام لقلبي، وكان الباتنجان لقدرته على الإبهار بكل الأشكال والطرق، فلا لمشويه سابق ولا لمطبوخه لاحق، إن «قوّرناه» أعجز وإن «كدّسناه» أعجب، مالحه طيب وحلوه أطيب ولأنه ابن طبقة متوسطة الدخل عزيز النفس سمح الخلق، قديسٌ إن وجد بورانًا تحبه ومرٌّ إن “باض” عليه الرازي وابن سينا، ووحشٌ يقف معنا لا علينا وقت الحصار.