اعترافات
كُتِبَ بتاريخ:
الوسوم: محاولة
قرأت في هاتفي المحمول ما قد كتبته في الـ”نوتس” منذ أواخر أيامي الجامعية حتى اليوم، وبكل شفافية أعترف بأن القليل مما كتبته أعجبني وحاولت كعادتي التي تجبرني على معرفة من باض البيضة ومن جاج الجاجة (الدجاجة) تتبع مصدر هذا الإعجاب، ووجدت أن العامل المشترك بين كل ما خرط مشطي هو مرور وقتٍ كافٍ لأتحرر من النص وأنسى علاقتي الشخصية به. وبمعنى آخر، كل ما أعجبني كان منفصلًا عني ولم أعد قادرًا على تذكر ملابسات الواقعة التي دفعتني للكتابة حينئذ. يبدو أن تقادم النص يخلي مسؤوليتنا عما فيه من العته ويخرجه من غرفنا الشخصية إلى غرفته الخاصة به التي استأجرها من وراء ظهورنا بعدما شبّ واشتد واعشوشب الشارب الأخضر الغض على وجهه.
أما عن الكثير الذي لم يعجبني، فلا يزال متعلقًا بي كطفل جائع، يذكرني بتفاصيل الواقعة والسياق الذي كُتب فيه كمحضر شرطة آداب، أرى نفسي في النص ولا يراني فيه، نص سيءُ ذو أفكار غير مترابطة وجمل اعتراضية كثيرة، وأعترف مجددا بأنه على الرغم من ركاكة النص ورداءة تركيبه إلا أنني متسامح مع فكرة وجوده ولم أجرؤ يوما أن أساومه على ذلك الحق في البقاء.
بالإضافة لجهلي بالسبب الحقيقي وراء سوسة الكتابة هذه وعلى الأرجح أنها وراثة، إلا أنني لا زلت أخاف منها في مفارقة منطقية تافهة. أخاف لأنني بها أكون كما أنا بلا توجسٍ ولا قلق ودون تردد وحسابات. تظل الكتابة ممارسة تمنحني نوعا من الحرية والإحقاق للذات والقدرة على الرفض كما أشتهي والاعتراف كيفما أريد. كل نص كتبته بغض النظر عن جودته كان بندقية فوهتها موجهة نحوي وزنادها بيدي، وطبعًا…”السلاح بإيد الخرا بيجرح”.
أعترف أخيرًا أنني أحسد كل هذه النصوص المخبأة والتي لا أمتلك الشجاعة لنشرها، أحسدها لأنني فيها وخلالها أكون ما تمنيت يومًا ما أن أكونه، لأنني فيها أمتلك الحرية التي تدفعني إلى الفعل أولًا والتفكير ثانيا والاطمئنان أن العواقب ستكون بكل ثقة، سليمة. أحسد النص لأنه بجيّده ورديئه لا يهتم، ويحد النظر فيّ كما أحدق فيه ويذكرني بأنني النقيض التام للشخص الذي نظر لأبيه في مرضه كأبٍ لا كمريض برقم غرفة ونتائج تحاليل، من انهار عند الصدمة الأولى ولم يفحص آلة تخطيط القلب وعلامات الوفاة السريرية وظل متماسكا حتى غطى التراب الجسد لينفجر.
أرى نفسي في كل نص – وخصوصًا تلك التي أعجبتني – أطرق في الخفاء أبوابًا موصدة متمسكًا بشيء من الإنكار الذي يعفيني من المسؤولية أمام نفسي. في تلك النصوص أكون محتفظًا بحماستي للأشياء كلها و فيّ من العاطفة والرغبة ما أحاول به إغواء النساء كلهن، أحب الروايات المفعمة بالهورمونات والإيحاءات الجنسية، وأطرب لجورج وسوف وكل فناني الموسيقى الهابطة، أهتم بالقضايا العادلة في أدغال الأمازون أيا كانت، وراء تلك الأبواب ليس عندي ما أعترف وأقر به وبلا شكٍ…لا أخاف من الكتابة.