الخلاصة

كُتِبَ بتاريخ:

الوسوم: محاولة

ربما لأن العرق دساس، والدماء تحن بلا تمييز وللوراثة حكم علينا لا نمتلك رفاهية الطعن فيه، والكرموسومات تقاس بالقواعد الأمينية والمصائب، أتذكر أبي وهو يخرج من حقيبته مجلدًا كان قد جمعه هو بنفسه من أوراق الطباعة الفارغة وكتب على أولها “الخلاصة”.

بدأت خلاصة أبي عندما كنت في العاشرة تقريبًا، كان يكتب يومه في صفحةٍ واحدةٍ قبيل نومه، لا يجرؤ على الزيادة، وأظنه يخاف أيضًا إن لم يكملها، خرج أبي من سورية بنصف حياة وخوف مكتمل، وأكاد أقسم أن الخوف من الأنصاف هذا ظل يلاحقه طيلة عمره. لم أمتلك الفضول بما يكفي لأسأله ولم يمتلك هو الشجاعة ليخبرني وكان عليَّ أن أعرف الإجابة بنفسي مستعينًا بسخرية القدر وأنصاف التجارب التي تجعلني أكتب ما أكتبه هنا.

بعد ست وعشرين سنة، أدركت أن برج الخلاصات الذي بناه الحجي بالرغم من وزنه الذي يهد الظهر والقلب معًا إلا أنه كان محاولته الغير مباشرة لإقناعي بأن كرة النحاس التي أحسها في صدري خفيفة كغيمة إن وقعت على رزمة أوراق فارغة أو على شفتي صبية، أراد مني الإدراك مبكرًا أننا “بإدلبيتنا” وفلاحيتنا لا نبكي إلا في الجنائز أو عند تحرير المدن والرجوع إليها. أراد أن تكون خلاصته خلاصي أنا من أنصاف التجارب واكتمال الخوف، ولكن كما أسلفت بحنين الدم إلى الدم وأنني لا أزال ابن الحجي يحيى – حقيقة ومجازًا – سأكتب كثيرًا وأتحدث بسرعة ولكنني قطعًا، لن أبكي.