ابن عمي والوحش الأخير
كُتِبَ بتاريخ:
الوسوم: محاولة
في محاولة سابقة مني لـ”التعربش” على هرم المرحوم ماسلو وللإجابة عن سؤال “من أنا؟” الباعص لكيف الجميع منذ أن ترك جدّنا الأول الشجرة حتى اليوم، وبحسب الرواية؛ ينتهي نسب عائلتي من طرف أبي مرورًا بكل البطون والأفخاذ – والسبعة نعام منهم طبعًا – إلى يعرب ابن قحطان جد العرب العاربة والذي بدوره حسب الرواية مجددًا ينتهي نسبه إلى هود والأخير من نسل سام ابن نوح. لا أعرف مقدار صحة الروايات ولكنني أفضّلها عن غيرها لما فيها من الانتقال و”الشنططة” وركوب الفُلْك.
يعني هذا العرض أشياء كثيرة ولعلّه أهمها، وجود قرابة بعيدة بيني وبين ابن عم قرر الاعتصام بالجبال وقت فوران التنور من باب يباسة الرأس وفرط التناحة ولأنه بالمشرمحي “غاوي نكد” لا أكثر. بالحضن يا ابن العم بالحضن!
لا أعرف عن ابن عمي هذا سوى أنه رفض الدعوتين الصريحتين بالإيمان أولًا وبالركوب مع أهله والنجاة ثانيًا، بدا له أن الجبل في أرضه أقوى حجةً من الجوديّ في أرض الغريب، وأن يحكم في الجحيم خيرٌ له من أن يخدم في الجنة. ابن عمي على “عكرتته” هذه إلا أنني لا أتجاهل شجاعته في التمسك بالأرض والجماعة لحظة رفضه الإيمان ولا أنكر أن شجاعته اللحظية تلك كانت على أغلب الظن بدافع الخوف والجبن من مواجهة المجهول ومن مجابهة أفكار ما بعد حداثية تدعوه لأن يضع لنفسه اسمًا جديدًا وينسى اللغة والعادة والعرف وينخرط في المجتمع الجديد. ربما كان لابن عمي من الذكريات في جبله ما جعل الموج الذي حال بينه وبين أبيه أهون ألما من الحنين إليها أو ربما كان المجهود في صنع ذكريات جديدة في مكان جديد على أرضٍ “مفرمتة” حديثًا أثقل عليه من الموت غرقًا.
كما قلت سابقًا، كل هذا كان محاولة مني للوصول إلى الفردانية وتطلب الأمر، كما رأيت يا طويل العمر، اكتشاف الأساس البديهي أن الفكر الفرداني هو نتاج فكر الجماعة ومحاولة للتمرد عليه بتضييق دائرة ما ينتمي إليه الفرد حقًا وتوسيعها في آن واحد، تحول الانتماء لفكرة واسعة شاملة للإنسانية كلها مصدّرًا البديهيات أن كل البشر متساوون ولا يعاقب الإنسان على ما لم يختر من لون وعرق ولغة ودين موروث، إلا أن هذا التوسيع والتضييق لم يجبيا على السؤال الأساسي ومربط الجحش في محاولتي.
المشكلة لم تكن في المحاولة ولا في نوع الأسئلة الوقحة التي تطرحها وإنما فيّ أنا، بعد الكبرة هذه والكثير من الجبب الحمراء لا أملك المقومات التي يرتكز عليها السؤال أساسًا لأقوم بإعادة إنتاج التجربة وأصل إلى النتيجة، فقد اختار أبي لنفسه المنفى ولإن حنجرته كانت أضيق من الإجابة اختاره المنفى أيضًا، ولم تعد المقبرة في صدره تتسع إلا للجلطات وأسماء من ماتوا قبله، لم يبق مكان للحنين أو للذكريات.
أكان عقابًا إلهيّا كعقاب ابن عمي؟ بعد ستٍ وثلاثين سنة من التمسك بالهوية الذاتية واعتصامي بالجبل يتوجب عليَّ أن أترجل منتصرًا على نفسي وأن أواجه الوحش الأخير في محاولتي، أن أتعلم ماهية الحنين وشكله وكنهه وأن أعيد تخيّل الفكرة الجمعية في هذه المحاولة، أن أصنع ذكرياتٍ جديدة في أرضٍ كالأرض الجديدة في رواية ابن عمي حيث لا موج ثمَّ يأخذني ولا فُلْك ليحملني، ليس هناك إلاي والوحش الأخير…والله يطفيها بنوره.