قبعة
كُتِبَ بتاريخ:
الوسوم: محاولة
يذكر المرحوم فواز قوصرة في كتابه “جولة أثرية في كفر البارا وضواحيها” أن كفر البارا هذه كانت أول ما حاصره الصليبيون بعد أخذهم أنطاكية، كانت قرية مهمة لوقوعها على طريق القوافل وذات حصن يصفه صاحب الروضتين بالمنيع، طال الحصار وانصرف الصليبيون عنه إلى اجتياح أعمال حلب والتنكيل بأهلها دون ردعٍ لفشل كلٍ من دقاق ورضوان وياغيسيان من جمع القوة لانشغالهم بقتال بعضهم البعض ولخوفهم من أن يسير المنتصر منهم بجيشه ويقضي على حكم الآخرين، في النهاية احتاج الأمر لزلزالٍ ومئة سنة ونور الدين زنكي ليعود حصن البارة، حتى في خرابه الأخير، لأهله.
كانت النية أن تكون قراءتي هذه من باب العلم بالشيء ومعرفة تاريخ البلاد؛ أصل اسم هذه الضيعة والذي على الأغلب من السريانية، آثارها ومدافنها الهرمية ورمزية النقوش على مذابح الكنائس فيها، ترجمات للنصوص اليونانية والسريانية على أحجار المداخل وكامل “كورس” دغدغة المشاعر الوطنية. لم أتخيل أن أخرج من قراءتي ضاربًا كف بكفٍ و”ما أشبه الليلة بالبارحة”، توقعت أن يكون تاريخ البلاد حتى الشنيع منه أكثر بساطة من حاضرنا وأقل سخرية…ولم يكن.
أحسد سكان تورونتو على شغفهم بالقديم – وإن كان قديمهم حديث ولادة بالنسبة لنا – وقدرتهم على الاحتفاظ به والتغني به وله. أشتهي الوصل حيث أن القطع كان ميزة تجاربي وحياتي كلها، أحسدهم على هذا الخيط الرفيع من الاستمرارية في كل النواحي. لا أزال أذكر ذلك الجندي الذي أشار عليَّ بخلع قبعتي عند دخولي زائرًا لقبر “مناضلٍ” لم أهتم أبدًا لمعرفة اسمه ولكنه قاتل تحت اسم الملكة العامرة فيكتوريا ومات لأجل التاج ودُفن في “فسط” المدينة لا في قبر جماعي أو غارقًا في بحرٍ بعد أن غدر به مهربٌ ما.
هذه البلاد لم تُستعمر، لا أقدر على تخيل “عصفورة” سوخوي أو ميج تقصف هذه المدينة، ولا أستطيع بناء سيناريو تُحاصر فيه هذه المدينة شهورًا وترتفع أسعار السجائر الإلكترونية والبيرة إلى أرقام فلكية ثمَّ يمّل محاصرها عنها ويتسلى بضواحيها، ليس هناك مرحلة “مقطوشة” من التاريخ هنا ولم تعرف مخيلة الناس الجمعية هول ألا يملك أب عظام ابنه ليدفنها. كل شيء مستمر ومتصل.
كم تمنيت أن يكون لنا ما كان عندهم دون أن نستعمر أحدًا أو ننتصر على أحد برمي الأغطية الموبوءة بالجدري عليهم ليموتوا. أن نحظى مثل أهل البلاد هذه بخط زمني متصل ولو تطلب الأمر أن نخلع قبعاتنا جميعًا لمن يأتي به.