ڤيتيس الأخلاق
كُتِبَ بتاريخ:
الوسوم: محاولة
في عام ألف وتسعمائة وأربع وتسعين، وقفت وزيرة الإعانة الأسرية والتطوير النسوي الرواندية «پولينا نيراماسوكو» أمام المدينة الرياضية في مدينة «بوتاري» وأمرت فرقة مظلية بقيادة ابنها بتطويق الملعب و”القيام باللازم”. كان الأمر ذا نبرة عسكريّة صارمة ومفعمةً بالروتينية والرتابة، يوم آخرٌ في حرب أهلية وشاء القدر لها أن تكون جزءًا منها وعاملة مؤثرة فيها لدرجة أنها ليومنا هذا تتعفن في زنزانة سجن ستخرج منه بعون المولى بعد عشرين سنة وإن أطال الله في أيام فخامة الوزيرة، فسيكون عمرها قريب المائة سنة.
قبل إصدار «پولينا» الأمر، كانت داخل الملعب تطمئن الآلاف من اللاجئين «التوتسي» الروانديين – وأغلبهم من النساء والأطفال – الذين احتموا بداخله وتبشرهم بأن الصليب الأحمر قادم للمساعدة وتوزيع الغذاء والدواء، فهي وزيرة الإعانة الأسرية حينئذٍ وقبلها كانت عاملة اجتماعية ومناصرة لحقوق النساء والأطفال، كانت صورها وهي منحنية على طفلٍ أو مربتةً على كتف امرأة رواندية شائعةً مألوفة وعليه؛ صدّق اللاجئون نيافة الوزيرة.
لا أستطيع أن أكتب تفاصيل ما حدث في ذلك الملعب بعد تلك التطمينات لشدة فظاعتها ولكن ثقوا تمامًا بأن كل ما لا يمكنكم تخيله من الموت النازل والوحشية البشرية حدث بأمر مباشر من سيادة الوزيرة التي ساعدت، وبكل إيثار، بتوزيع الوقود من سيارتها الشخصية لأجل أن يحرق ابنها وفرقته به الناس أحياءً.
«پولينا» هذه من قبيلة «هوتو» والتي كانت الأغلبية العددية في رواندا وقد تجاهلها الاستعمار البلجيكي وفضّل الأقلية العددية من قبيلة «توتسي» عليها وجعل المناصب السياسية والإدارية محتكرة ضمن ومن الأقلية العددية تلك، وكما نعلم أن الاستعمار والكولونيالية مفهوم عنصري في أساسه وليس غريبًا أن “يتعنصر” المحتل ويقسم أهل البلد الأصليين على أسس عرقية ويترك وراءه طنجرة ضغط جاهزةً للانفجار يومًا ما.
تسلقت «پولينا» إلى الوزارة والعمل السياسي ضمن بيئة ذكورية تنظر بدونية لها ووجب عليها إثبات ولاءها وكفاءتها، وأنت يا سيدي القارئ وشيخ العارفين تعلم أن الحاقد على عرقية معينة منحها الاستعمار امتيازات بغير وجه حق ومن امتلك جوزًا من البزاز يُحتقر بسببهما قادر على ارتكاب مجزرة بحق نسوة «التوتسي» ويراها كفرصة لإثبات تنصله من بني جنسه من جهة واستغراق الولاء ضد «التوتسي» من جهة أخرى وتطوير “السي ڤي” في آخر الأمر.
بما أنني إنسان فقري وغاوي نكد و”محراك شر” معادٍ لكل “محضر خير” هنا أو هناك، أحاول دومًا تفهم ما يختلج في صدر مجرم الحرب حين يقوم بما يحسن القيام به، ما الذي دفع «پولينا» للقيام بتلك المذبحة؟ أو قل: ما الذي قالته لنفسها قبل أن تستسلم للنوم تلك الليلة؟ كانت تعلم أن معظم من احتمى داخل الملعب من النساء، وهي من أمرت الجنود بأن تنتهك تلك النسوة قبيل قتلهن (وهذه الإفادة اعترفت بها هي أثناء التحقيق والمحاكمة) ولم تجد في ذلك أي مشكلة أخلاقية أو – والعياذ بالله – أي تأنيب ضمير أو أن تتعارض المجزرة وأصوات المحروقين أحياءً وتوسلات النسوة مع إنسانيتها، وبشكل خاصٍ مع أنوثتها، أبدًا.
يغلب على الظن أن «پولينا» عاشت حياة طبيعية نسبيًّا، درست في مدرسة وتنافست مع أقرانها على رضى المعلمين والأهل، انتقلت إلى الجامعة واختارت ما تريد دراسته، أحبت وكرهت، قبلت ورفضت، تزوجت وصارت أمّا و”بظّت” أولادًا، بمعنى آخر، لم تكن «پولينا» طوال حياتها خارج إطار الإنسانية المتعارف عليه، لم تطف على أبواب البيوت في الليل كعفريتةٍ تسمع أصوات الأمهات الحوامل لتجهض حملهن أو تخطف أولادهن، لم تكن ساحرة يخافها الجميع ويتعوذون منها بنقوش الآلهة أو بآية الكرسي والمياه المقدسة، لم تكن هي تجسيد الصورة النمطية للشرّ المطلق والمكون الأساسي لفولكلور الأمهات، كانت «پولينا» في يومٍ ما… مثلنا.
كانت مثلنا، وحتى بعد المذبحة أكاد أجزم أن «پولينا» لم تتغير كثيرًا، الدماء والصرخات لم تؤثر بشكل كبير على مجرى حياتها اليومي، لا زالت هي الأم التي تعد الفطور لزوجها وأولادها، تذهب إلى العمل وعين الله عليها تناقش ما جرى في اجتماع للحكومة وتلخّص مجريات الأمور في بضعة رؤوس أقلام، لم تكن الوحش الذي تفرض مخيلتنا شخصًا بسيرة «پولينا» أن يكونه.
يطرح أستاذ علم النفس «ألبيرت باندورا» – وهكذا اسمه والله – نظرية “الانفصال الأخلاقي”؛ ويتحفنا بأننا قادرون – أنا وأنت – على المشاركة في مذبحة خلال أوقات الدوام الرسمية وإطعام قطٍ جائعٍ بعدها مباشرةً إن توفرت لنا الظروف. ينظر الحجي ألبيرت للسلطة الأخلاقية الذاتية والتي تمنعنا عن دهس قطةٍ أو رمي عصفور بالحجر كمحرك عربة نملك القدرة على جعله يدور على الفاضي بوضعنا الڤيتيس الأخلاقي على “النيوترال” أو يبدأ بالحركة إن التروس تداخلت.
في قصة «پولينا»، والتي اختصرتُها بشكل مجحف، أردت أن أفهم الظروف التي أشار إليها مولانا ألبيرت وكان لي ما أردت، تحولت «پولينا» لوحش يوم حصارها للملعب بسبب اعتقاد ينزع صفة الإنسانية عن الخصم ويختزله لشيءٍ أو حشرة يجب سحقها، كانت «پولينا» ترى أن هؤلاء النسوة حياة لا تستحق الحياة وجثثهن ستكون الإثبات القطعي أنها أكفأ وأشرس من أقرانها الذكور في عملهم.
لأجل ألا يتوقف المحرك عن الحركة
خلال شرحه نظريته، قدّم الأستاذ ألبيرت ما يعتقده الأساليب التي قد تبرر تحولنا في يومٍ من الأيام لـ«پولينا» وأن نرى ما فعلته “ضرورة” أو “خطأ في الحساب”، فهو يرى أن أول الأساليب هو اقتناع الفرد منا بأحقية ما يفعل، وأن البرميل المتهاوي من المروحية أداة محقة و”مجرّبة” في استئصال الخونة وإلا لما ابتسم ذلك الجندي في الصورة، وذبح المدني الأعزل لأن لكنته “غير محببة” فعل سليم وعادل وترضاه كل ملة ونحلة.
ثانيًّا: استخدام لغةٍ ومفرداتٍ “تطهّر” الفعل من شناعته، فتكون القنبلة التي تحيل مربعًا سكنيًّا كاملًا لردمٍ “ضربة جراحية دقيقة” وتحويل مشفى بمرضاه وبمن يعمل فيه لهدف مدفعي يكون بكل بساطة “تدميرًا لمقر إرهابي”.
ثالثًا: المقارنة التي تصب في صالحنا دائمًا، والتي تصبغ الفعل الذي نقترفه بلون “أفتح” من “الغامق” الذي ارتكبه الطرف الآخر، فهم أجبرونا على “الشهادة” ونحن نجبرهم على العوي، وليحمدوا ربهم “إنها عدّت على هيك”.
رابعًا: “شلف” المسؤولية والتهرب من الاعتراف الواضح، فالجندي النازي يحلف اليمين المغلظ أن لا علاقة له بالموضوع بتاتا وما فعل فعلته تلك إلا انصياعًا للأوامر وطاعةً لمن هو أعلى منه رتبة أو كـ”رئيس الدولة” الذي مازح مجلس الشعب بعدما خرجت الناس متظاهرةً ووصفهم بأنهم “مندسين” و”بيادق مؤامرة”.
وأخيرًا لا أدعو لأن ندير خدّنا لمن سوّى أحياءً كاملة بالأرض، ولا أرتضي أن يعيش بيننا أمثال سيادة الوزيرة أو أن يهنئوا بأيامهم المتبقية، ولا أقبل أن يكون في تاريخنا من يمجد سفاحًا لأن ضحاياه كانوا من “الآخرين” منزوعي الإنسانية ومن كان البرميل “رحمة” منزّلة مهداة إليهم.
ليس من عادتي أن أمتلك الصبر الكافي لهذا القدر من الفزلكة ولكنها أيام “بنت وسخة” كل ما فيها يدعوني ويدفعني إلى استساغة خطاب طائفي إقصائي يدّعي العدالة ممن خاض في الدم وجوهره الانتقام الأعمى من جماعة أو عرقية أو طائفة، أكتب لأجلي قبل كل شيء مذكّرًا نفسي أن العدالة التي أرجوها لا تتطلب مني أن أتحول لـ«پولينا» أو لـ«آيخمان» جديدين، وأن أعي وأدرك أن من يروج لأي خطاب طائفي أو تحريضي إنما يدعوني لأن أتنازل عن إنسانيتي لكي أنزعها عن غيري قبل دعوتي للانتصار للعدل أو كسر شوكة الظلم، وكلما قرأت ما كتبته هنا أتمنى ألا ألتقي بهم في أي مسلك أسلكه أو أي طريق أمشيه.