جاري

كُتِبَ بتاريخ:

الوسوم: محاولة

خلال حديثي مع جاري التركي أمام البيت، وهو بالمناسبة يتكلم الإنجليزية بلكنة جندي سوفيتي خرج لتوه من ستالينجراد ولا يملك منها ما يؤهله أن ينمق الكلام أو يختار أسلس العبارات وأبلغها، واختزل اللغة ووظيفتها إلى التواصل المجرد من أي محسنات بديعية، إلا أنه وسط كلامه اختار أن يصف إسطنبول بالمرأة ولم يزد عليها. بطبيعة الجيرة، أعرف أن جاري يحب “الگر” (كثرة الكلام) وكنت أرى في عينيه الرغبة بإكمال أسطوانة النوستالجيا والحنين ولكن شاءت الألطاف أنَّ ركاكة إنجليزيته أنقذتني وأنقذته، بادلته التحية ومضيت.

تذكرت أن اللغة التركية تخلو نحويّا وصرفيّا من التذكير والتأنيث، التأنيث المجازي الذي تخلعه السليقة العربية على الأسماء، عربٌ في أرضٍ ما استحسنوا التأنيث في لفظة “جهنم” – ربما لاتساعها واحتوائها الأشقياء – وعليه جرت ألسنة الناس. هذا غير موجودٍ في التركية وبالرغم من هذا كله توصَّل جاري للقناعة بأن مدينته مؤنثة تمام الأنوثة إذ لم يستعن بالمجاز أو بالتورية وإنما “دجها دج”، إسطنبول امرأة لها ما لها وعليها ما عليها.

لم يتحفني أحد من سكان تورونتو برأيه في أنوثة مدينته حتى على سبيل المجاز، لم أسمع قبل بشاعرٍ ما بعد حداثي يشبه أبراج تورنتو العصماء بجدائل الحبيبة الممتدة نحو السماء كالمعراج، أو شوارعها الإسفلتية كعروق جدول ماء رُسم على بياض ثلجها، رأسمالية المدينة وجمودها جرّداها من المجاز وسلبا قدرة سكانها على التغزل بماضيها وحاضرها ولو على سبيل التملق. وعلى النقيض تمامًا، حالتنا نحن تشبه حالة جاري المكلوم حنينًا، فالمدن عندنا مؤنثة كابرًا عن كابر، من القاهرة التي تقهر أهلها وأعداءها على حد سواء ومع ذلك تُغنى لها الأغاني ولنيلها، ولدمشق التي “عضوا راسنا” بياسمينها وأزقتها وأمويتها، إلى بغداد التي بالغت في أنوثتها لحد اشتقاق مرادف للدلال من اسمها وأعطت الحق لكل غيداء ميساء بأن تتبغدد علينا تحت سطوة اللغة والموروث الشعبي.

لا أظن أننا بتأنيث مدننا نحاول، باستخدام اللاوعي والسليقة العربية، أن نسند صفتي الحنان أو الجمال إلى المدينة واللتين أراهما أكثر ما يبتذله الأدباء في نصوصهم، إنما نحن كما الأوائل أدركنا قسوة الأرض والمدينة – ومن قبلها القبيلة – وتأنيث كل ذلك كان لخلق احتمالية الغفران، فالولد العاق مهما استغرق في عقوقه يعرف أن نسبة الغفران عند أمه أكبر من أبيه، والغريب المبعد عن الأرض يبالغ في الحلفان أن مدينته امرأة ليقنع نفسه قبل الآخرين أنه إن عاد فسيجد جدته “الحردانة” التي يطيب خاطرها بقبلة على الرأس وإكليل ياسمين مبتذل.