الوردة

كُتِبَ بتاريخ:

الوسوم: محاولة

ألف ملة ونِحلة تزاحم بعضها في شارع الاستقلال بإسطنبول، سيّاح إفرنجيون قرأوا في صغرهم ترجمة مبتذلة يغلب عليها الطابع الجنسي لألف ليلة وليلة وقرروا أن الوقت حان لاكتشاف هذا العالم “الإكزوتك” الجديد، بائعو القماش السوريون الذين يملكون من الحس التجاري و”الكولكة” ما يمكنهم من معرفة أنني سوري أيضًا ويزيحوا أعينهم عني، شبابٌ يمشون في مجموعات عبروا البسفور من أجل الكيف والعربدة، بائعات هوى، رجال أعمال صينيون والكثير من بائعي الورد.

باعة الورد هؤلاء المنتشرون كجيستابو لكيوبد غالبا ما يقفون على مسافات متباعدة عن بعضهم البعض لئلا تتداخل نطاقات النشاط الاستخباري ويجور أي منهم على رزق الآخر، تراهم حاملين بضاعتهم الملفوفة بشريط أبيض أو أحمر وابتسامة تجارية بلهاء ترتسم على وجوههم بكل طمأنينة.

يرى بائع الورد فريسته، وتتجحم عيناه كصقرٍ “حطّه السيل من عَلِ” وتبدو الفريسة متوهجةً أمامه ويتجهز للانقضاض، والفريسة هنا ذات طابع مزدوج: شاب يرشح التوستسيرون من مسام جلده مع فتاته متأبطًا كل منهما الآخر أو رجل وزوجته يمشيان بروية يعاينان النوافذ وزجاج المحلات. يقترب بائع الورد من فريسته واثقًا ودافعًا بابتسامته تلك من الأذن للأذن ويمدّ يده مناولًا وردةً واحدةً ويخلع عليها من الاعتبارات ما ليس فيها حقًا، يريدها أن تكون تتويجًا لشيء ما.

تبدأ المعاملة التجارية لحظة اعتراف الفريسة ببائع الورد، ويختلج في صدر صاحبنا البائع أمران. الأمر الأول هو إثبات لذاته بقدرته على التعرف على نوع العلاقة الأفقية بين المغفلين أمامه، يتحول للحظة لمسبار هورمونات وسيالات عصبية فاحصًا ومدققًا ومقررًا بناءً على ذلك الشروع في معاملة تجارية يرتبط فيها ربحه ارتباطًا حقيقيًّا باللعب على أوتار خجل الشاب من فتاته وشكّ الزوجة بحب زوجها لها ومقدار نيّة الزوج لتأكيده.

أمّا الأمر الثاني – وهو ما يغيظني فعلًا – هو تعدّي بائع الورد هذا على واجبات العاشق تجاه معشوقه، اعتداء فاضح على طبيعة الحب وتجلياته التي رسمها لنا الأدب القديم والخيال الشعبي العابر للقارات، حوّل بائع الورد هذا الشوك الذي كان رمزًا لتحمل العاشق ضريبة هورموناته تجاه معشوقه لأداة جاهزة للشراء من غير شوك وجاهزة للقبول بكل انشكاح وكأن بائع الورد كمن دخل جامع البلدة بحذائه المتسخ بالطين عن قصد وسبق إصرار وترصّد ليوزع على الناس منشوراتٍ دعوية.

كل هذا يعني أن بائع الورد اللعين مدركٌ تمامًا لما يجري، بمجرد أن يطل برأسه ويمد يده حتى يهمَّ بكسر ما لا يجب أن يُكسر أو أن يُمسَ بسوء، وأقصد هنا طابع الخصوصية في العلاقة الأفقية بين اثنين أيّا كانت صفتها وتعريفها، ففي لحظة انكسار غلاف الخصوصية ذاك، تنتفي الثنائية في العلاقة ويصبح بائع الورد طرفًا ثالثا “يشوبر” على كيفه ويمتلك ولو للحظة المقام الأعلى والمنزلة الأسمى من الطرفين الآخرين مجتمعين، ينام بينهما في السرير ويتابع معهما فلم السهرة ويبدي رأيه وكأنه يقول “علاقتنا (علاقتنا!) تحتاج أن تشتري لها وردة يا حبيب القلب”.

إن هذا الاقتحام (والحق الحق أقول لكم) شديد الخطورة، إذ أنه في أغلب الحالات يرضخ أحد طرفي العلاقة و”ينضرب على قلبه” ويشتري وردةً تحت تهديد الخجل من المعشوق أو نفاذ حكم بائع الورد الضمني على العلاقة برمتها وكأن المشتري يوافق بائع الورد قائلًا: “نعم، تحتاج هذه العلاقة لوردة فعلًا”.

المهم، لا تشتروا الوردة.