كرة الثلج
كُتِبَ بتاريخ:
الوسوم: لأم عمرو
«هذه أول رسالة من رسائل عديدة لأم عمرو، وكُنَّ أسطرًا وفقرات كُتبن على مراحل وأزمنة متفاوتة وأعدت صياغتهن مؤخرًا وأحببت أن أعرضها كرسالة عليكم.» – عمر.
بعد التحية والسلام، فإني أرجو أن تكوني بخير حال وأريح بال، وأن يديم عليكِ آية الجمال وغوى الدلال، وأن يرزقنا وإياكِ طول الآجال وحسن المآل. أما بعد،
خانة أبي كانت «جامع الكبير» في إدلب وكان فلاحًا ابن فلاح، تقدّم لأمي في أول ستينات القرن الماضي ولم يرحب أهلها به كونهم أهل مدينة وتجارة وهو “إن طلع وإن نزل” يظل فلاحًا صاحب يدين اخشوشنتا بسبب “تنكات الزيت”، ولم تهذب التجارة ومعاشرة الشوام من لسانه الفلاحي الذي يدّج الكلام، حقا كان أو باطلا، “دجّا”، إلا أن جدي والد أمي أقنعهم آخر الأمر أن جدي والد أبي الحاج أحمد “زنجيل” (ميسور الحال) وقد يأتي من رفد أراضيه ما يشفع لأبي وأمرهم بالتغاضي عن الطبقية والإيمان بأن الناس كأسنان المشط مؤقتًا حتى يغادر المأذون.
لم يكن والدي الحجي يحيى محظوظًا بشكل عام، حاول أن يحب أمي ولكن زمنه لم يسمح له؛ فبعد زواجه بفترة قصيرة وجد الحجي نفسه مع غيره من أبناء الفلاحين “مشحوطين” إلى الجبهة، كان في سلاح الإشارة ولم ينسَ ذكر «مشيه في الأحراش من غير بسطار عسكري لأسبوع كامل» كل مرة روى فيها قصته، ذاق أبي النكسة في ال٦٧ وبعدها مرة ثانية في ال٧٣، واتضح الأمر له بأن النكسات ستكون الطابع الغالب على حياته والعامل المؤثر الأكبر حتى آخر يومٍ فيها.
توجه أبي للمنفى بعدها، وكانت فلاحيته السبب الأول في نفيه إذ أنه لم “يكولك” للسلطة الجديدة كما الآخرين وانتهى به المطاف مبعدًا. هكذا تقول الرواية، ولكن ما يعنيني منها هو المنفى نفسه لا الأسباب التي أدت إليه أو إجراءاته، الأثر الظاهر والعامل فيَّ أنا – وهو الأثر الذي يدفعني بشكل كبير لكتابة هذه الرسالة لكِ – هو الأرث الذي تركه لي الحجي يحيى، أورثني بكل فظاظة وأنانية, منفاه.
كان المنفى بالنسبة لأبي أرضًا مالحةً يتعذر فيها الانتماء ويعجز عن النمو، كل شيء حوله كان ينذره ويحذره من التآكل، لم يكن جرح النكسات في قلبه وروحه قد اندمل وكان يلهج بالثأر والكرّ على العدا مرة ومرات في كل حديث له، كان الجرح أكبر من أن يتحامل عليه ويجد في منفاه خلاصًا من التجربة المريرة، ولم يمنحه المنفى الحياة الأمثل وينثر عليه الدراهم لتنسيه كل ما سبق.
أما بالنسبة لي، وهذا ما يهمكِ سماعه على الأرجح، فلم يورثني الحجي يحيى الأرض كما يعرفها هو، كان حتى في آخر أيامه وأثقلها يتذكر شوارع إدلب حجرًا حجرًا وكان يعرف “سجرات” زيتونه واحدة واحدة ولربما خلع على كل منهن اسما يعرفه كما يعرف أسماءنا لا حبّا فيهن ولكن خوفا عليهن من التآكل والضياع وأن يضيع هو معهن، ذهب هو وأورثني الاسماء والصفات وتركني “أقلع شوكي بإيدي” وجعل مني نصف منفي يشتاق لما لا يعرف، ويعرف ما لا يقدر أن يحن له.
كما ترين، لم أستطع بدأ رسالتي بالغزل فيكِ “خبط لزق” كما جرت العادة، احتاج الأمر لتمهيد وتسول عاطفي بطعم الزيتون والنوستالجيا ليقع الأمر موقع القلب منك وتقتنعي بما أكتبه إليكِ. لا أنكر أن وجودك المتكرر في تاريخنا كانت له دواعيه، فأنتِ رمزٌ لمن لا يقدر على الإفصاح الفاضح لهوية من يحب أيّا كانت الأسباب، أم عمرو التي “صبنتِ الكأس عنا” وذاتها التي “زادكِ الله جمالا”. ولطالما كانت إدلب متمثلة بكل تعريف ورثته من الحجي يحيى كمسقط الرأس وقبور الأجداد وأشجار الزيتون مجازًا لا أقدر على خلق صورة تقابله في الحقيقة و”ألعلع” به أمام الملأ، حتى كنتِ أنت.
استطعتِ وحدكِ تحويل إدلب – في مخيلتي على الأقل – من تلك الأفكار المفعمة بالرومانسية لفكرة واقعية جدًا، مجرد مدينة منهكة لا أكثر، قُصفت ودعى عليها الكثيرون بزيادة البراميل وشيوع الموت، تحملت ولا زالت تحتمل، جعلتِ أنت إدلب تقوم بوظائفها كمدينة لا كوحش أكرهه وأخاف منه، أعدتِ للحنين صفته التي لم أجربها مطلقًا: أن يكون للحنين كنه ووجود حقيقي، أعرف بدايته وما ينتهي إليه، أن يمتلك الحنين شخصية إنسانية تقررينها أنتِ. ثقي تمامُا بأنني مدرك صعوبة الأمر وأدرك أنني قد أكون مخطئا برمي هذه المهمة عليكِ وحدكِ، ولكن غلبة الظن تتدحرج في صدري ككرة ثلجٍ تكبر وتصير في نهاية الأمر يقينًا، اليقين بجمال الاحتمال ونتائجه أيا كانت.
لا أحاول أن أحملك ما لا يجب عليكِ حمله من التوقعات يا أم عمرو، فأنا في آخر الأمر ابن فلاح “إن طلع وإن نزل”، قنوعٌ و”في مثلي يغالى”، ولكن ما أطلبه منك أن “لا تبيعيني برخصٍ” كما فعلتِ مع الحجي يحيى، أن تحبي ما تفعلينه ساعة وتلعني ساعته بعدها مباشرةً، أن تنكسري للشك مرات وتعيدي الوقوف مراتٍ أكثر، أن تقرأي لي تاريخنا بتلك القاف الإدلبية وتمسكي بيدي وتريني الشوارع التي سمعت عنها من أبي الذي أكاد أجزم أن قلبه ظل معلقًا بكِ وأورثني حبكِ يا أم عمرو، جزاكِ الله مغفرةً، وأرجوكي أن “تردي علي فؤادي مثل ما كانا”.