صحن حلو
كُتِبَ بتاريخ:
الوسوم: محاولة
زار صديقي البلاد مؤخرًا بعد سنوات من التغريب والنفي، واستطاع كالكثيرين أن يدخلها من أبوابها ويقول “حِطّة” دون أن تتشرف قفاه الكريمة بالجلوس على كرسي أو على أرجل الكرسي في فرع أمن أو شعبة مخابرات، والشهادة لله أحضر لي معه مشكورًا صحن حلو كان من الجمال ما يجّبُ ذل الانتظار والبهدلة كالتوبة. عاد وحكى لي عن البلاد وما أبهج وما نغّص ولم يترك غسيلًا إلا ونشره، وختم حكايته بما يعنيني ويعنيكِ يا أم عمرو، «البلد ما بتشهّي».
لم يقلها من باب الازدراء والتعالي، حاشاه، وإنما من باب الواقعية ومصداقية النقل. لا يوجد في البلاد ما يدفع الإنسان للشهوة أو الرغبة، انتصرت الثورة وأهلها لم يعودوا ثوّارًا، صارت الثورة شبه دولةٍ ووجب عليها أن تخوض في بيروقراطيات السياسة والفلسفة النفعية والمصالح الشخصية والعليا، وصار لها رئيس له محبوه وسحيجته وكارهوه ومن “يفبرك” صورًا له، وأهلها صاروا هيئةَ تحريرٍ أو أمنًا عامًا أو فصائل وجيوشًا وطنية. وصلنا بالصخرة لأعلى الجبل وأدركنا عندها أن للجبل وجهًا مقابلًا قد تفلت الصخرة التي ما زالت على ظهورنا وتنحدر و”تفعسنا” في طريقها وهذا، كما تعلمين، مما لا يمكن اشتهاؤه.
وعلى النقيض تمامًا، زارني خالي العزيز مجرّبًا باسبوره الأحمر الجديد محررًا إياه من طلبات التأشيرات وضرورات التدقيق الأمني وجعله “بشرًا” يقدر على تمرير الباسبور على ماسحة ضوئية لتُفتح له الأبواب ويبتسم له موظفو المطارات على حد قوله. حكى لي عن إدلب بكل حيوية وشهوانية، عن فرص الاستثمار ومواقع البناء المثلى لطباعة العملة لاحقًا، عن جدي «عبد القادر» والذي حافظ على مكانة العائلة التجارية من أسلافه بدهائه التجاري وقدرته على المفاوضة والخروج بأكبر ربح بأقل تكلفة ثم وافاه الأجل مبكرًا قبل أن يورثهم سر الصنعة، عن خالي الأكبر «عارف» الذي أعدمه جيش البعث ميدانيًا على حاجز طريق وهو ذاته الذي رمى بذور مشمش أخضر في ساقية أرض أبيه الشمالية لتنبت بعد سنين بضع “سجرات” مشمش يقتات منهن عابر السبيل وكل من مر بحذاء الأرض، وشاهد القصة هنا أن خالي المفدى لم يهتدِ لطريقة تمكنه من الانتفاع بالشجرات وضمها لمنظومة العائلة الرأسمالية حتى اليوم.
لا أخفيكِ سرًا يا أم عمرو أن نشوز رفيقي وحيوية خالي أعادا ترتيب أوراقي و أجبراني على النظر في الموقف الوطني والقومي والانتهاء بسؤال نفسي مجددًا: أفعلًا أشتهي العودة؟ ليتبين لي أنني لا أخاف من الإجابة على نفسي ولكن أخجل منها أمامكِ.
لا أشتهي البلاد ذاتها وإنما أرغب فيما تعنيه لي من مجازات وتشبيهات، اكتمال القصة وخاتمة الرواية والرمزية فيهما، أن أضحك أخيرًا في وجه التاريخ بوجودي الفيزيائي أمام قبر جدي والد أبي وقبر خالي «عارف»، حيث لم يدفن جدي ابنه ولم يدفن أبي أباه ويمشِ في جنازته، ومنع الخرف أمي من أن تبكي أخاها كما يجب.
أشتهي يا أم عمرو وبكل تحرر من الخجل والحياء أن أفي بما عليّ من واجبات تجاه من منحني حياة كريمة، أن أقف أمامهما إن تلاقينا يومًا ما بضمير ساكن وأعترف لهما وأنتِ بجانبي تشهدين وتقرين بأن الزمن دائرة وأنا خرجت منها أخيرًا، أعاد الحيّ ولو رمزيّا القدرة للأموات على تشييع موتاهم كما يلزم، أشتهي وأنتِ معي الإدراك بإن ما أقرأه عن خصائص اللغة الإبلاوية السحيقة وألواح الطين التي نقشت عليها تبعد عني وعن بنات عمها من اللغات السامية “شلفة حجر”، وأشتهي أيضًا كما العادة يا عزيزتي، طباعة العملة.